الشنقيطي

209

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) [ 15 - 16 ] . قال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب : أسند الكذب إلى الناصية ، وفي مواضع أخرى أسنده إلى غير الناصية ، كقوله : إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ [ النحل : 105 ] . وذكر الجواب بأنه أطلق الناصية وأراد صاحبها على أسلوب لإطلاق البعض وإيراد الكل ، وذكر الشواهد عليه القرآن كقوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : 1 ] . والذي ينبغي التنبيه عليه من جهة البلاغة : أن البعض الذي يطلق ويراد به الكل ، لا بد في هذا البعض من مزيد مزية للمعنى المساق فيه الكلام . فمثلا هنا ذم الكذب وأخذ الكاذب بكذبه ، فجاء ذكر الناصية وهي مقدم شعر الرأس ، لأنها أشد نكارة على صاحبها ونكالا به ، إذ الصدق يرفع الرأس والكذب ينكسه ذلة وخزيا . فكانت هي هنا أنسب من اليد أو غيرها ، بينما في أبي لهب تطاول بماله ، والغرض مذمة ماله وكسبه الذي تطاول به ، واليد هي جارحة الكسب وآلة التصرف في المال ، فكانت اليد أولى فيه من الناصية . وهكذا كما يقولون : بث الأمير عيونه : يريدون جواسيس له ، لأن العين من الإنسان أهم ما فيه لمهمته تلك . ولم يقولوا : بث أرجله ولا رؤوسا ولا أيد ، لأنها كلها ليست كالعين في ذلك . ومن هذا القبيل قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ( 8 ) [ النازعات : 8 ] ، يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : 27 ] . لأن القلب هو مصدر الخوف والنفس هي محط الطمأنينة ، على أن النفس جزء من الإنسان ، وهكذا ، ومنه الآتي وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ * ( 19 ) [ العلق : 19 ] ، أطلق السجود وأراد الصلاة ، لأن السجود أخص صفاتها .